أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
103
التوحيد
ثبت أن قد حدث في أحدهما ، ولو سمّي ذلك مادة في أحد الجسمين فالقول فيها أيها حدثت ، وفي حدوث غير ما قلنا يعلم بحدوث الزوال وجود الجسم في غير موضع تراه في الأول ، وبهذه الضرورة التي أظهرت في الجسم من الانتقال علمنا الحركة التي لا تحسّ ؛ إذ وجدنا اختلاف الحال في المحسوس وعرفنا باعتماد الشيء في المكان الأول وانتقاله في المكان الثاني أن المسمى اعتماده في الحال الأول يصير حركة ونقلة في الحالة الثانية مما لا يوصف الحركة بمناسبة الجسم ولا مباينته ؛ إذ ذلك حق الجسم ، ثم زيد أحق من عمرو بها لأن توهم عدم عمرو لانعدامها عن زيد إذا وجد هو في غير المكان الأول . وأجاب المعارض له أن كيف هي ؟ إذ هي فعلكم ، ولم يعرف كيفية فعله قبله ، فلم استدللتم على الحركة بالمقاييس ؟ قيل : إنما يعرف أن كيف التقدم والتأخر الذي هو فعلنا ، لا أن يعرف غيريّتها لنا ، وإنما أقمنا الدلالة على الغيرية . ألا ترى أن قوما أنكروا الغيرية للجسم على إثبات القول بالتقدم والتأخر ، ثم إذ ثبت حدث ما ذكر - والجسم لا يسبقه - ثبت حدثه . قال الشيخ رحمه اللّه : وهذه عبارة لم يزل أهل التوحيد يعتزون بها ، لكنه أطنب فيها السؤال والجواب ، فذكرت ذلك على الإيماء إلى ما ذكر دون البسط . ثم عورض بالحركة إنها جسم ، فقال : ذا لا يسأل عنه من يقول بقدم الجسم لأنها حدثت بالحس ، وقال : للإحالة أن يكون في المكان الأول جسم إلا على التداخل ، وفي المداخلة إيجاب حركة أخرى للانتقال فيكون غير جسم ، مع لو جعلت الثانية متداخلة يلزم تداخل الأجسام بلا نهاية ، ولو جاز ذا لجاز تداخل الدنيا في بيضه ، ومثله أجاب في التلاقي ، وذلك كله تطويل بلا نفع ، ولو أنصف لوجد ما يمنعه عن دليله وهو قوله : الجسم في أول حاله ليس بساكن ولا متحرك فأخلاه عما ذكر ، وفي ذلك سبق عن الذي وصف ، لكن من يقول بقدمه لا يثبت له حال الأولية ؛ إذ في ذلك القول بحدثه ، فلزم الذي وصف ، واللّه الموفق . واستدل على أن سكون الجسم معنى غير الجسم بما يقال : هو في دار كذا ، لو لم يكن سوى الجسم والدار لكان لا يكون في غيرها بموجود ، والدار توجد وهو ليس بموصوف بالكون فيها . قال أبو منصور رحمه اللّه : وهذا أمر ظاهر لا يسأله أحد ؛ إذ سكناه يزول وقت تحركه من غير زوال الجسمية عنه ، فثبت أنه غير . ثم أجاب من قال : لعل سكونه معه حيث كان ، مع ما قد يذكر مدة سكونه في مكان بزيادة ونقصان ، ثبت أن ثمة غير السكون الأول . وهذا مثل الأول لا يسأل عنه ، وجوابه ما بينا ، واللّه المستعان .